قصة

ثمار برّيّة/ فَرلام شالاموف *

ترجمة عن الروسية نوفل نيوف

قال فادييف: ـ انتظرْ، فأنا سأكلّمه، ـ ثم دنا منّي وقرّب أخمص بندقيّته من رأسي.

كنت مستلقياً في الثلج لا أستطيع النهوض والعودة إلى مكاني بين مجموعة الرجال الذين يهبطون من الجبل. وكان على كتف كلٍّ منهم خشبة، أو «حزمة حطب» متباينة الحجم.

فَرلام شالاموف بريشة جان كريسزيفسكي (1987)

كان الجميع يتعجّلون الوصول إلى البيت، سواءٌ في ذلك الحرّاس والسجناء. كلّهم كانوا توّاقين إلى الطعام والنوم بعد يوم شتويٍّ لا نهاية لطوله ومضجرٍ للغاية. أمّا أنا فكنت مستلقياً في الثلج.

اعتاد فادييف الكلام مع كل سجين متوجِّهاً إليه بضمير المخاطب «أنتم»:

ـ اسمعوني، أيّها العجوز، ـ قال لي، ـ لا يمكن أن يكون لَوحٌ مثلكم عاجزاً عن حمْل هذه الخشبة، أو ربّما هذه «العيدان». واضحٌ أنكم تدَّعون الضعف، فأنتم فاشيّ. إنكم تدسّون العصيّ في العجلة، بينما وطننا يقاتل العدوّ.

ـ لستُ فاشياً، ـ قلت له، ـ إنني رَجل مريض وجائع. أنت الفاشيّ. إنك تقرأ في الجرائد كيف يقتل الفاشيّون كِبارَ السنّ. فكِّرْ كيف ستحدِّث خطيبتك عمّا تفعله في كوليما.

لم أكن أُبالي بشيء. ولم أكن أُطيق ذوي الخدودِ الحمراء المعافين، الشبعانين، حسَني الهندام، ولا أخافهم. ولكنّي لكي أحمي بطني تكوَّرت بحركة غريزية، موروثة عن الأجداد. فأنا لم أكن أخاف إطلاقاً من الضرب على البطن. وقد رفسني فادييف بجزمته على ظهري، فأحسست بالدفء فجأة، ولم أشعر بأيِّ ألم. إذا متُّ كان ذلك أفضل.

ـ اسمعوني، ـ قال فادييف وقد أدار بجزمته وجهي نحو السماء، ـ إنكم لستم أوَّلَ من تعاملتُ معه من أمثالكم.

اقترب منّا حارسٌ آخر هو سيروشابكا:

ـ هيّا انظرْ إلَيّ، سأتذكّرك. يا لك من شرير وقبيح. غداً بيَدَيَّ هاتين سأطلق عليك النار. هل فهمت؟

ـ فهمت، ـ قلت له وأنا أنهض وأبصق مع اللُّعاب دماً.

جررتُ خشبتي جرّاً تحت وابلٍ من هياجٍ وصراخٍ وسُبابٍ يصبُّه علَيّ رفاقي الذين تجمَّدوا من البرد وأنا أتلقّى الضرب.

في صباح اليوم التالي، قادنا سيروشابكا إلى غابة كانت أشجارها قد قُطعت منذ الشتاء الماضي، لنعمل فيها بجمع كلِّ ما يمكن إشعالُه شتاءً في المدافئ الحديدية. لقد قطعوا الأشجار في الشتاء وظلَّ ما بقي من جذوعها عالياً. كنّا نقتلع بقايا تلك الجذوع بالمِخلّات الحديد، ثم نقطِّعها ونجعلها أكداساً تُحمَل.

علّق سيروشابكا على ما تبقّى من أشجارٍ سليمة نادرة حول مكانِ عملِنا باقاتٍ من عشبٍ يابسٍ أصفرَ ورماديِّ اللون تحدِّد لنا المنطقة التي يحرَّم علينا دخولها.

أشعل آمِرُ مجموعتنا ناراً فوق تلّة صغيرة يتدفَّأ بها سيروشابكا ـ فقد كان مسموحاً بالنار للحارس فقط ـ وأجهد نفسه بتكديس كثير من الحطب الاحتياطي.

كانت الريح قد بدّدت من زمان ما تساقط من ثلج. والعشب الذي تجمَّد عليه الماء كان ينزلق بين أيدينا ويتغيَّر لونه ما إن تمسَّه يد إنسان. ونبتات الوَركِين الجبليّة القصيرة، المتجمِّدة بين الأعشاب، كان يفوح من ثمارها ذاتِ اللون البنفسجيّ الغامق والتي مسّها الصقيع، عبقٌ غير عاديّ. وألذُّ مذاقاً منها عنب البقرة الذي مسّه الصقيع أيضاً ونضج من زمان… وعلى غُصَينات مستقيمة، كانت تتدلّى حبّات توتٍ برّيٍّ ساطعةُ الزرقة، مجعّدةٌ مثل حافظة نقودٍ جلديّة فارغة، ولكنها تحتفظ بعُصارتها الداكنة الزرقة ذاتِ المَذاق الذي لا يوصَف.

كانت الثمار البرّيّة في هذا الوقت، وقد مسّها الصقيع، لا تشبه الثمار الناضجة المليئة بالعُصارة. لقد كان مذاقها أكثر رقّة.

راح رفيقي ريباكوف يجمع هذه الثمار في علبة كونسروة وقت الاستراحة، بل وحتّى في تلك الدقائق التي كان سيروشابكا خلالها ينظر إلى جهة أخرى. فإذا ما جمع ريباكوف علبة مليئة بالثمار سوف يعطيه طبّاخُ فصيلِ الحرس مقابلها خبزاً. وسرعان ما غدت خطّة ريباكوف مسألة ذات شأن.

ولمّا لم يكن عندي زبائنُ من هذا النوع، كنت آكُلُ ما أجمعه من هذه الثمار، أضغط بعناية وجشع على كلِّ حبّة منها بين لساني وسقف حلْقي، فتدوِّخني عصارتها الحلوة العطرة لحظةً.

لم يخطر لي أن أساعد ريباكوف في جمع الثمار، ولا ريباكوف كان راغباً بهذه المساعدة، وإلا بات عليه أن يقاسمني الخبز. كانت الثمار تزداد في علبة ريباكوف ببطء شديد، نظراً إلى ندرتها المتزايدة. ولمّا كنا نجمع الثمار ونحن منهمكان بالعمل، لم ننتبه إلى أننا اقتربنا من حدود المعسكر، إذ كانت باقات العشب تتدلّى فوق رؤوسنا.

ـ انتبهْ، ـ قلتُ لريباكوف، ـ يجب أن نرجع.

غير أن ثمار نباتات الوَركين وعنبِ البقرة والتوتِ البرّيّ كانت أمامنا. وقد رأينا من زمان هذه النبتات المثمرة على بُعد مترَين عن الشجرة التي كانت تتدلّى منها باقات العشب.

أشار لي ريباكوف إلى العلبة التي لم تمتلئ بعد، وإلى الشمس وهي تنحدر على الأفق، وراح يتقدّم ببطء صوب حبّات الثمار المُغرية.

نَشيشُ طلْقة خاطف، وسقط ريباكوف على وجهه بين النباتات. صرخ سيروشابكا وهو يلوِّح ببندقيّته: ـ اتركْه في مكانه، لا تقترب!

هيّأ سيروشابكا زِناد بندقيّته وأطلق عليه رصاصة أخرى. كنّا نعرف ما معنى هذه الطلقة الثانية. وكان سيروشابكا يعرف أيضاً معناها. إذ يجب أن يكون هناك طلقتان، فالأولى طلقة إنذار.

كان ريباكوف منبطحاً بين النباتات صغيراً على نحوٍ غيرِ متوقَّع. فقد كانت السماء والجبال والنهر على قدْر من الضخامة بحيث لا يعلم إلا الله كم عددُ من يمكن قتلهم في هذه الجبال على الدروب بين النباتات.

تدحرجتْ علبة ريباكوف بعيداً عنه، فتمكّنت من أن ألتقطها وأخبِّئها في جيبي. قد يعطونني خبزاً مقابل الثمار التي فيها، فأنا أعرف لمن كان يجمعها ريباكوف.

صفَّ سيروشابكا أفراد مجموعتنا الصغيرة بهدوء، فعَدّنا من جديد، ثم أوعز لنا بالسير وقادنا إلى البيت.

لامس كتفي بفوهة بندقيّته فالتفتُّ إليه.

ـ كنتُ أريدك أنت، ـ قال لي سيروشابكا، ـ ولكنّك لم تتدخّلْ أيّها الوغد…

* كاتب روسي (١٩٠٧-١٩٨٢): يعتبر نفسه وريثاً للحداثة الأدبية لبداية القرن العشرين، بعكس غالبية الكتاب الروس الذين يرفدون من التراث السردي للقرنين ١٨ و١٩. سيتم توقيفه داخل مطبعة كانت تستعد لنشر وصية لينين المتحفّظة على خلافة ستالين له، ليحكم عليه إثر ذلك بثلاث سنوات من الأشغال الشاقة. في عام ١٩٣٧، سيتم اعتقاله للمرة الثانية ويُنفى إلى كوليما، في أقصى الشرق السوفياتي، حيث سيكتب مجموعته السردية الضخمة «محكيات كوليما» (اجتُزئت منها القصة أعلاه) التي ظلّ يكتبها من عام 1954 حتى عام 1973.

ملحق كلمات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى